فن ومشاهير

عادل حمودة يكتب: لم تكن حياة «أحمد زكى» رقاقة من العجين صنع منها قالب «جاتو»

القاهرة - محمد ابراهيم - مفلس يستدين ليدخن الـ«روثمان» ونجم يفضل «البلمونت»

لم تكن حياة «أحمد زكى» رقاقة من العجين صنع منها قالب «جاتو».

كانت حياته دائرة نار دخلها دون أن يعرف هل سيخرج منها سليما أم سيتحول إلى رماد؟

عشت معه بعضا من سنوات الجمر واحترقنا سويا بها.

ما تعرض له من صعوبات لم يختلف كثيرا عما تعرضت له.

لكن لا بد أن أعترف أن ظروفه المادية كانت أصعب وأشد ولا يحتملها أحد.

على أن أحلامنا كانت مشتركة وخطوات البداية كانت مشتركة وفى لحظات النهاية لم أفارقه يوما.

رأيته أول مرة فى بداية سبعينيات القرن الماضى وبالقطع يصعب تحديد التاريخ فلم يكن وقتها شخصا مهما حتى أسجل شيئا عنه.

رأيته يدخل علينا «لاباس» فى وسط القاهرة من باب شارع «قصر النيل».

بدا نحيفا خجولا حائرا يرتدى قميصا منسوجا فى مربعات زرقاء وحمراء كالحة من القدم وراح يمسح على شعره خجلا ويمسح المكان بعينيه وهو واقف وكأنه يبحث عن شخص بعينه أو كأنه متردد هل يجلس أم يرحل؟ وعندما حسم أمره استدار ليهم بالانصراف.

لكن «سامى السلامونى» الذى كان أشهر وأجرأ ناقد سينمائى فى ذلك الوقت استوقفه ودعاه إلى الجلوس معنا إلى جانب الكاتب المسرحى «على سالم» ورسام الكاريكاتير «جمعة فرحات» ومدير مطابع «أخبار اليوم» المهندس «أمين المهدى» الذى أصبح ناشرا فيما بعد والصحفى الساخر «فؤاد معوض» الذى اشتهر باسم «فرفور» وكان صديقا لمشاهير النجوم.

عرفت يومها أنه ممثل مبتدئ تخرج فى المعهد العالى للفنون المسرحية عام ١٩٧٣ وكان الأول على دفعته ويمثل دور «أحمد» الشاعر فى مسرحية «مدرسة المشاغبين» ولم يكن مسموحا له أن يجلب ضحكات الجمهور تاركا ذلك لنجمى العمل: «عادل إمام» و«سعيد صالح» إلى جانب «يونس شلبى».

لكن ابتساماته كانت مكسورة وجلسته كانت على طرف المقعد وكلماته بدت متمهلة تفرض على عينيه بريقا زائغا وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة متوترة فى حالة نموذجية من حالات الخجل أضاف إليها رفضه أن يدعوه أحد على ما يشربه أو يأكله فقد كان ينتظر شخصا ما ولا يريد أن يجلس بمفرده حتى لا يضطر إلى طلب شىء وهو مفلس تقريبا.

تكرر ظهوره فى «لاباس».

«لاباس» كان ملتقى أجيال متعددة من أهل الكلمة والصورة والفيلم والمسرحية والرواية والمقالة واللوحة والسيمفونية إلى جانب فتيات يبحثن عن مغامرة خاصة فى المساء.

وهو مطعم وكافيه فى عمارة «عرفة» افتتح فى عام ١٩٢٠ امتلكه يهودى يسمى «ساموس اتسبس» سبق احترف صناعة الحلوى الفرنسية ولكن ما أن هاجر من مصر حتى تولت شركة «مجمعات الأهرام» إدارته وأصبحت العمارة ضمن أصول شركة «مصر للتأمين» العقارية.

فيما بعد أغلق المكان بعد «تطفيش» المثقفين المبدعين منه حتى انضم إلى خطة الخصخصة فى مزاد علنى رسا على «أبو المجد الغندور» لينتفع به ٥٩ سنة لكن بعد سنوات قليلة أغلق المكان مرة أخرى دون معرفة السبب كما أن «الكافيهات» المتطورة فرضت سطوتها.

فى ذلك الوقت كانت منطقة وسط القاهرة أو «وسط البلد» تجذبنا جميعا بما فيها من دور سينما ومسارح مكيفة ومعارض فنية ومحلات تجارية وباعة صحف ومكتبات أجنبية ومصرية أشهرها مكتبة «مدبولى» التى كان صاحبها الحاج «محمد مدبولى» على علاقة طيبة بالناشرين اللبنانيين جعلته يأتى بالكتب التى تصدر فى بيروت وأغلبها ممنوع من التداول رقابيا فى مصر وكنا نتبادل قراءتها سرا ونتقاسم ثمنها معا.

حيثيات مغرية جعلت من «لاباس» مكانا استراتيجيا تقصده شخصيات شهيرة وشخصيات تحلم بأن تصبح شهيرة.

فى الساعة الثامنة صباحا يلتقى المخرج السينمائى «صلاح أبو سيف» على مائدة واحدة مع «لبيب معوض» المحامى المعروف الذى يثق فيه نجوم الفن وصناعه ويمثلهم أمام المحاكم أو فى كتابة العقود أو تسوية حالات الطلاق و«رشاد القوصى» وهو مصور سينمائى وفوتوغرافى محترف تعتمد عليه صحف ووكالات أجنبية وانفرد بتصوير حادث المنصة حيث اغتيل «أنور السادات» والناقد المسرحى «حازم هاشم» الذى يكتب فى جريدة «دوت الخليج» وأحيانا كنت انضم إليهم إذا استيقظت مبكرا.

كانت هذه المجموعة توصف بمجموعة «حكومة الظل» التى لا تترك خبرا فى صحيفة إلا وتعلق عليه ولا تجد تصرفا رسميا إلا وتقيمه ومن جانبنا وزعنا عليهم مناصب وزارية حسب تخصص كل منهم.

من بعيد يقف الفنان التشكيلى والكاريكاتورى «جورج البهجورى» على «كونتر» وحيدا متأملا يغمس قطع «الكرواسون» فى فنجان قهوة بالحليب ويرسم وجوه الفتيات اللاتى يتصادف وجودهن فى المكان قبل أن يذهبن إلى عملهن فى شركات السياحة أو المحلات التجارية أو البنوك القريبة.

كانت القهوة الشهيرة التى يطلبها الجميع هى «الكابتشينو» ولم يكن ثمنها يزيد عن خمسة قروش وغالبا ما كان يطلب معها قطعة أو قطعتين من «كرواسون» أو الفطيرة التى صنعها الفرنسيون على شكل هلال (رمز الإسلام) ليواجهوا بها زحف العثمانيين إلى أوروبا وكأنهم بالتهامها يلتهمون المسلمون.

لكن أحيانا كنا ننتقل مع «صلاح أبو سيف» إلى عربة «فول» تقف على أرض فضاء فى شارع جانبى بالقرب من فندق «كوزمو بوليتان» لنفطر وقوفا وأطلق «حازم هاشم» عليها ساخرا اسم «تافرنا».

كان مخرج الواقعية فى السينما المصرية متوافقا مع نفسه وعاش حياته بنفس البساطة التى عاشها أبطال أفلامه.

وفيما بعد كتبت مذكراته.

فيما بعد أيضا تنكر أحد ضباط الأمن فى شخصية شاعر وتردد على «لاباس» ليلًا نهارًا حتى صادق الجميع ولكنه سرا كتب عنهم تقارير اتهمهم فيها بالشيوعية وكانت حجته أنهم يتجمعون كثيرا على عربة الفول أو يقترضون من بعضهم البعض.

على أن المثير للسخرية أنه سرعان ما استقال من عمله فى الداخلية وتفرغ للحديث عن الشعر الذى لم يكن موهوبا فى نظمه.

أعجبه التنكر فاستمر فيه.

مثل ذلك المخبر الذى تنكر فى هيئة «شحات» ولكنه سرعان ما استقال بعد أن وجد دخله من التسول أفضل من راتبه فى الخدمة.

فى ذلك الوقت كان «أنور السادات» يطيق العمى ولا يطيق اليساريين والناصريين ويجند أجهزته وقدراته للتخلص منهم.

وكان «لاباس» فى تصور مخبريه أحد معاقلهم الرئيسية يجب إبعادهم عنه.

وكان مؤمنا أنهم هددوا استقرار نظامه فى تظاهرات ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧ التى عرفت بتظاهرات الطعام.

ولم تكن هناك سوى طريقة واحدة للتخلص منهم وتفرقهم فى أماكن أخرى متعددة هى وضع حد أدنى للطلبات وإغراق المكان بنساء لسن فوق مستوى الشبهات ووجود بلطجية جاهزين للاحتكاك بمن وقع عليهم الاختيار للضرب أو السب ونجحت الخطة وتشتت الجميع فعلا ولم نعد نلتقى إلا صدفة.

لم يستعب نظام «السادات» أن مثل هذه التجمعات الثقافية هى بمثابة مراكز لاكتشاف المواهب أو مساندتها وتنميتها ويكفى «أحمد زكى».

كانت مجموعة «حكومة الظل» هى مجموعة الصباح فى «لاباس».

فى ساعات العصر تظهر المجموعة الثانية.

يظهر «عادل إمام» و«سمير صبرى» و«سعيد صالح» و«أحمد مرعى» و«على سالم» و«سامى السلامونى» و«يونس شلبى» ومهندس الديكور «نهاد بهجت» وكاتب القصة القصيرة «مجيد طوبيا» ورسام الكاريكاتير «رؤوف عياد» وزميله فى «روز اليوسف» «جمعة فرحات» وشباب تخرج فى المعاهد الفنية جاء يبحث عن فرصة ما.

فى ذلك الوقت كانت تتناقل أخبار الأعمال الفنية التى لم تنفذ بعد أو تنتقد الأعمال الفنية المعروضة فعلا وكثيرا ما أشعل «سامى السلامونى» غضب النجوم الذين اعتادوا الظهور فى لاباس بسبب هجوم مؤلم على أفلامهم.

وحدث أن قاطعه «عادل إمام» شهورا بسبب ما كتب عن فيلم «البحث عن فضيحة» وتكرر الموقف فيما بعد مع «أحمد زكى» بسبب ما كتب «سامى السلامونى» عن أفلامه «الراقصة والطبال» و«شادر السمك» و«حسن اللول» بعد أن أشاد بدوره فى فيلم «البرىء» والوحيد الذى كان يسعده الكتابة عنه مهما كانت هو «سمير صبرى».

وفى هذه الفترة المبكرة من حياة «أحمد زكى» ظهرت عليه أعراض الغناء وكان السبب رباعيات «صلاح جاهين» التى حفظناها عن ظهر قلب وكنا نرددها معا ونحن نمشى بعد منتصف الليل ندب بأحذيتنا على الشوارع الخالية من الزحمة والرحمة ونشعر بأن المستقبل لنا دون أن يكون لدينا دليل واحد على ذلك.

قبل موعد العشاء تظهر المجموعة الثالثة.

مجموعة الراغبين فى حضور عرض خاص لفيلم جديد بدعوة من المنتج أو المخرج أو حضور فيلم يعرضه «نادى السينما» فى سينما «أوبرا» أو مناقشة فيلم فى «جمعية الفيلم» أو مشاهدة معرض لفنان تشكيلى فى «الأتيليه» أو جمعية «الفنانين والكتاب» أو سهرة فى مكان قريب مثل «الجريون» الذى كان بمثابة الوردية الرابعة لرواد «لاباس».

فى كل الأوقات كان طلب فنجان «كابتشينو» فى «لاباس» ضرورة وكأنه شفرة الانتماء إلى المكان.

لكن كانت مشكلة «أحمد زكى» أن الكلمة كانت ثقيلة على لسانه فلم ينطقها نطقا صحيحا.

كان كل مرة ينطقها بطريقة خاطئة وكان يزعجه أن ينطقها أحد نيابة عنه.

وبعد أن كتبها على ورقة وفرط حروفها وتدرب على نطقها بمفرده نجح أخيرا فى الحصول على واحد «كابتشينو» بنفسه ودفع يومها أول «بقشيش» فى حياته.

وتقديرا لهذا النجاح دعا أصدقاء المدرسة الصناعية فى الزقازيق على «كابتشينو» ولكن فى مكان آخر يسمى «البن البرازيلى» فى شارع «طلعت حرب» وشعر بسعادة واضحة لأنه أصبح قاهريا متميزا عنهم بمعرفة سر هذه القهوة العجيبة المخلوطة ببخار الحليب.

حاولنا جاهدين معرفة معنى الكلمة ولكننا فشلنا حتى جاءت صحفية إيطالية لتحاور «صلاح أبو سيف» فطلبنا منه أن يسألها عن سر «الكابتشينو».

وكانت المفاجأة أن الكلمة تعنى «قلنسوة» كالتى يضعها رهبان طائفة «الكابوتشين» فى القرن السابع عشر على رؤوسهم.

فى ذلك الوقت كان «أحمد زكى» يؤدى دوره المجبر عليه فى «مدرسة المشاغبين».

كان يتقاضى ٣٠ جنيها مرتبا شهريا من منتج المسرحية «سمير خفاجى» ولكن ذات يوم طلب سلفة خمس جنيهات من المسئول المالى فى الفرقة إلا أنه رفض وعندما توسط «فؤاد معوض» وافق على السلفة إلا أن «أحمد زكى» ألقى بها على الأرض وانسحب من المسرحية بعد أن شعر أن كرامته أهينت.

كتبت ما حدث فى باب «جيل بكره» الذى كنت أحرره أنا و«منى سراج» فى «روز اليوسف».

أغلب الظن أن ما كتبت كان أول ما نشر عن «أحمد زكى» أو على الأقل أول ما نشر عنه وأثار الاهتمام بل أثار الإعجاب فها هو ممثل مبتدئ مفلس ينتصر لكرامته ولو على حساب معيشته وفى مواجهة ديناصور المسرح الخاص «سمير خفاجى».

شعر «أحمد زكى» بالامتنان لما نشرت عنه وتقاربنا وكثيرا ما كنا نمشى فى الشوارع معا ليلا نتحدث عن أحلامنا التى بدت مستحيلة وفى يوم لا أتذكر تاريخه اتفقنا على أن يساند كل منا الآخر إذا استطاع أو على الأقل يفرح كل منا لنجاح الآخر وألا تهدد الأيام صداقتنا مهما تباعدنا.

كانت سنوات طوال من الأحلام والأوهام المشتركة قطعت أحيانا وتواصلت أحيانا لكن فى النهاية جعلتنى أعرف عنه الكثير مباشرة وليس عبر جرائد نشرت أخباره أو أشخاص تحدثوا عنه دون تحرى الدقة غالبا.

لذلك فالكتابة عنه مغموسة بحبر المشاركة.

الكتابة عن شخص لم نعرفه عن قرب كالحديث عن تسلق جبل نرى صورته فى مجلة «ناشيونال جيوجرفيك» سيظل خيالا مهما توافرت معلومات عنه.

فى هذه الحالة لا تكون الكتابة عنه وإنما تكون عن تصور الذين يكتبون عنه.

فى سنوات البداية كان «أحمد زكى» مفلسا تماما ويتهرب من صاحبة «البانسيون» المتواضع الذى يسكنه فى شارع «طلعت حرب» بالنزول من الشباك صباحا ــ هو وشريكه فى المكان الممثل الكوميدى سامى فهمى والعودة ليلا من الشباك وتصورت صاحبة المكان اليونانية الجنسية أنهما غادرا.

الغريب أنه كان يقترض لشراء سجائر مستوردة (خاصة روثمان) وعندما أصبح نجما انحاز إلى السجائر المصرية خاصة (بلمونت).

وفى سنوات البداية أيضا كان يتنقل من بيت زميل إلى بيت قريب حتى إنه فى لحظات الصفاء النفسى كان يقول ساخرا:

ــ إنه ساكن فى الدقى ومصر الجديدة والعباسية وشبرا وروض الفرج معا.

سأله «فؤاد معوض»:

ــ أنت ساكن فى هذه الشقق؟

أجاب:

ــ إنها شقق ناس طيبين استضافونى فيها ولكن بشرط أن لا تزيد مدة الاستضافة عن ليلة واحدة فى كل شقة.

فيما بعد امتلك «أحمد زكى» أكثر من شقة فى أحياء مختلفة فى القاهرة والجيزة تركها وفضل الإقامة فى الفنادق وكأنه كتب عليه ألا يسكن فى بيت مستقل حتى لو امتلكه.

وبنفس السخرية قال وقتها:

ــ كنت أبحث دائما عن مكان آمن أسكن فيه.

كان يقصد بالمكان الآمن مكانا قريبا من عربة فول.

إنها عربة الفول نفسها التى كنا نتناول عليها إفطارنا أحيانا وكثيرا ما شاركنا فيه أو دعوناه إليها.

فى ذلك الوقت كان «أنور السادات» يواجه الجماعات اليسارية والناصرية بضراوة ويكثر من الهجوم عليها خاصة بعد أن سجن رجال «جمال عبد الناصر» الذين وصفهم بـ«مراكز القوة» فى ١٥ مايو ١٩٧١.

وذات ليلة فوجئنا بأن «أحمد زكى» يقلد «السادات» بإتقان مذهل لا يخلو من السخرية وضحكنا بلا توقف بطريقة هستيرية.

ولم يجد ما يمنع من تسجيل شريط «السادات» الذى كان يهدد فيه بفرم خصومه وجرى تداول الشريط حتى انتشر وربما كان أحد أسباب إبعاد «أحمد زكى» عن بعض مسرحيات وزارة الثقافة التى لعب فيها أدوارا صغيرة ليعيش من أجرها.

وبالقطع لم يكن أحد ليتخيل وقتها أنه سيجسد شخصية «السادات» فى فيلم فيما بعد.

لم يكن «أحمد زكى» يحب «السادات» فهو مجنون بحب «عبد الناصر» الذى اعتبره يتيما مثله كما اعتبر نفسه من أبناء «ثورة يوليو» ومن المستفيدين منها ويرى أن «السادات» مشى على طريق «عبد الناصر» بـ«أستيكة» حسب النكتة الشعبية التى أطلقت عليه.

إن مجانية التعليم أتاحت لهذا الفتى اليتيم الفقير أن يحقق ما يحلم به ويصبح نجم النجوم فيما بعد ولولاها لتعلم حرفة فى ورشة نجارة أو حدادة على طريقة «أسطى بلية».

كما أن الثقافة الجماهيرية أتاحت له القراءة فى مكتباتها العامة وأتاحت له التمثيل على مسارحها ليظهر موهبته التى نقلته من طبقة بسيطة إلى طبقة متميزة.

منحته ثورة يوليو فرصة التعليم وفرصة التمثيل معا بلا مقابل.

وهو يعترف بذلك علنا.

بل يفخر بأنه لمس كُم بدلة «عبد الناصر».

ذات يوم أعلن تنظيم «الاتحاد الاشتراكى» فى الشرقية أن قطار الرئيس سيمر بمحطة الزقازيق وعلى طلبة المدارس انتظاره هناك للترحيب به.

ارتدى «أحمد زكى» زى «الفتوة» وهو زى للتدريب العسكرى فرض على المدارس الثانوية بعد هزيمة يونيو لتكوين كتائب مقاومة شعبية تواجه القوات الإسرائيلية إذا ما عبرت قناة السويس لكن سرعان ما تبخرت الفكرة وبقى الزى ليتساوى بارتدائه الفقراء وغير الفقراء.

وضعوا العلم بين يديه وظل يرفعه ساعات طوال حتى تعب فسلمه إلى زميله وراح يستريح لكنه سرعان ما خطرت فى رأسه فكرة لم يتردد فى تنفيذها.

تسلق أحد أعمدة التلغراف ليشاهد «عبد الناصر» عن قرب وما أن وصل القطار حتى وجد يده قريبة من كُم بدلته فلمسه مؤكدا أن «الريس» ابتسم له ومن شدة الفرحة اختل توازنه وكاد أن يسقط تحت عجلات القطار.

بقدر ما شعر بالزهو فى ذلك اليوم بقدر ما بكى «عبد الناصر» يوم هزمته إسرائيل ويوم توفاه الله بل هو مؤمن بأننا «قتلناه» فعلا وليس شعرا.

وكان يقصد قصيدة «نزار قبانى» التى نشرها بعد ساعات من وفاة «عبد الناصر» المفاجئة وجاء فيها:

«قتلناك يا آخر الأنبياء/ قتلناك وليس جديدا علينا قتل الصحابة والأولياء/ فكم من رسول قتلنا/ وكم من إمام ذبحناه وهو يصلى العشاء».

كان «أحمد زكى» يرى فيه صورة الأب الذى لم يعرفه.

ولد فى حى «الحسينية» يوم ١٨ نوفمبر ١٩٤٦ ليصبح من سكان برج «العقرب» مع «فيروز» و«مجدى يعقوب» و«كريستوفر كولمبس» وهو يشاركهم فى صفات الغموض والكتمان والسيطرة والشك والغيرة والحساسية والرومانسية وتقلب المزاج والميل نحو الوحدة.

فقد والده بالموت وعمره نحو السنة ونصف السنة فلم يعرف حنانه ولم يجرب شدته وبعد سنوات معدودة فقد حنان الأم ورعايتها بالابتعاد.

كانت الأم السيدة «رتيبة السيد» لا تزال شابة لا يزيد عمرها عن ١٨ سنة ويصعب على أهلها القبول بأن تعيش وحدها كما أنه ليس لها مورد من المال تنفق منه على نفسها وعلى ابنها.

كان على الأم أن تتزوج من «عطية جمعة» الذى وجد ابنها عبئا على ما يبدو فكان أن تركته ليعيش مع جدته وخاله «عبد المنعم» فتربى وكبر مع ابنه «سمير».

فيما بعد أصبح «سمير عبد المنعم» فنانًا تشكيليًا ورسامًا كاريكاتيرًا تخرج فى كلية فنون الإسكندرية وظل إلى جانب «أحمد زكى» طوال حياته حتى آخر لحظة فى حياته.

ذات يوم تعجب «أحمد زكى» من «عبد الحليم حافظ» لأنه كان يحلف بحياة أمه وتساءل فى استنكار:

ــ هو شافها فين؟ وعرفها إمتى؟

كان يشير إلى أن أم «عبد الحليم حافظ» ماتت بعد ولادته بأيام وتوفى والده قبل أن يكمل عامه الأول.

قلت:

ــ اعتقد يا أحمد أن «عبد الحليم حافظ» كان لا يفصح عما يبطن.

ــ شوف هو كان فى أصدق حالته وهو يغنى على رأى «كامل الشناوى».

ــ ربما أراد تجاوز الشعور باليتم.

ــ هذه مسألة صعبة جدا.

احتاج «أحمد زكى» سنوات طوال حتى يتكيف مع حالة اليتم التى عاشها والأهم أنه عرف كيف يفسرها وإن لم يتجاوز آثارها.

كان رأيه أن اليتيم لا يعرف سوى «الحب الرمادى» وهو نوع وهمى من الحب حتى لو حمل بعض التعاطف والشفقة.

الحب الرمادى ليس حبا حقيقيا.

الحب الحقيقى حب طبيعى غير مفتعل تجد فيه عقاب الأب وتقديره وتجد فيه حضن الأم وغضبها أما الحب الذى يتعامل به الناس مع اليتيم هو حب مبستر ربما يلجئون إليه طمعا فى الحصول على ثواب أو طمعا فى الحصول على شهادة اجتماعية بأنهم من أهل الرحمة والبر والتقوى.

بالقطع كان «أحمد زكى» طفلا وصبيا حساسا عرف بمشاعره البريئة كيف يفرق بين الحب والعطف أو بين الحب والشفقة.

لم يجد حبا حقيقيا بل وجد انكسارا نفسيا جعله يصاحب نفسه ويصاحب أحزانه ويصاحب فرحه وبدأ يتأمل كل ما حوله فى صمت لعله مع الزمن يملك تفسيرا مقنعا لما وجد نفسه فيه.

لم يكن له حق الشكوى بل يجب أن يمتن دائما لكل ما يقدم إليه حتى لو لم يعجبه حتى ولو لم ينصفه وحتى لا يكون ثقيلا على أحد.

والمؤكد أنه يجب أن يكون مهذبا حتى يمدحه الناس ويجب أن يكون متفوقا حتى يشيدون به ويجب أن يكون محبوبا حتى لا ينفروا منه ويجب ألا يتشاجر مع أحد لأنه لن يجد من ينصفه.

ويجب أن يكون مسئولا عن نفسه.

فى ذلك الوقت المبكر من العمر ارتبط بصداقة متينة مع صغار فى سنه اطمئن إليهم لأنهم لم يشعروه باليتم وأنهم جميعا على قدم المساواة معا وظل على صداقتهم حتى فنجان «الكابتشينو» وما بعدها.

كان يحلم أن يدخل الجامعة ليصبح مهندسا أو طبيبا أو ضابط شرطة لكن بعد الشهادة الإعدادية وجد أحد أصدقائه يدخل المدرسة الفنية الثانوية وكان والده وكيل المدرسة ولحق به صديق آخر فلم يشأ أحمد زكى « أن يتركهم ويتجه إلى التعليم الثانوى العام رغم أن فرصته هناك كانت ــ على حد قوله ــ كبيرة بحكم تفوقه لكنها طبيعة العلاقات بين الأصدقاء الصغار حيث يتعلمون معا ويغامرون معا ويقضون معظم أوقاتهم معا.

حالة اليتم ضاعفت من حالة التأمل الذاتى لديه فقد كان يسمع أكثر مما يتكلم لكنه فيما بعد أصبح لا يتوقف عن الكلام.

وحالة اليتم جعلته يراقب سلوكيات البشر من حوله فى صمت وهو يختزن حالاتهم المختلفة والمتناقضة دون أن يعبر عن رأيه فيهم ولا شك أن ذلك كله جعله مثل جهاز «كشف الكذب» الذى يختبر به نفسه قبل الآخرين على حد تعبيره.

لكن التأمل الذاتى لم يقتصر على الآخرين وإنما امتد إلى نفسه التى كثيرا ما ضبطها تكذب مما سبب الضيق له وكثيرا ما ضبطها تتحايل على الحقيقة مما جعله يراجعها ويعيدها إلى الصواب حتى لا تتمادى فهو أضعف من تحمل تبعات تماديها.

على أنه لا يقصر المتاعب التى تبدأ بالطفولة وتؤثر فى الشخصية تأثيرا سلبيا على الأيتام فكثيرا ما يتعرض لها الذين تربوا فى وجود أب وأم أيضا.

أتذكر أنه فى مرحلة البحث عن مستقبله طلب منى أن أصحبه إلى قصر فى الزمالك يلتقى فيه مخرجًا سينمائيًا معروفًا بوجوه جديدة ليسند لهم أدوارا فى أفلامه.

لكن ما أن طرقنا الباب حتى قادونا إلى شرفة واسعة تطل على حديقة وهناك وجدنا نوعا ما من الشباب لم يتحرج من وضع ماكياج على وجهه ويرتدى ملابس ضيقة تحت الجلد.

نظر كل منا إلى الآخر.

وانسحبنا بهدوء.

فيما بعد وجدت بعض من صادفناهم فى ذلك اليوم أبطالا على الشاشة ولكن فى فيلم واحد ثم اختفوا.

لم يختر «أحمد زكى» أسلوبا رخيصا ليصل إلى ما يريد.

لم تكن الوسيلة عنده تبرر الغاية.

لكن كانت الوسيلة هى الوجه الآخر للغاية.

 

 

قميص كالح

وشعر منكـــــــــوش وجيب مفلس وعقدة الكابتشينو

تقارير على مكتب السادات: صلاح أبو سيف شيوعى لأنه «يجمعنا دائما حول عربة الفول»  سخر من السادات بتقليده فلم يعد يمثل على مسارح الدولة  لمس ذراع عبد الناصر وكاد يموت تحت عجلات القطار


تهرب من صاحبة البانسيون بالقفز من الشباك أو النزول على المواسير

Advertisements

قد تقرأ أيضا